ابن عطية الأندلسي
181
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
و « ما » في موضع رفع والتقدير : بئس الشيء قتل واتخاذ عجل وقول سَمِعْنا وَعَصَيْنا ، ويجوز أن تكون « ما » في موضع نصب ، و إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ شرط . وقد يأتي الشرط والشارط يعلم أن الأمر على أحد الجهتين ، كما قال اللّه تعالى عن عيسى عليه السلام : إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ [ المائدة : 116 ] ، وقد علم عيسى عليه السلام أنه لم يقله ، وكذلك إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ، والقائل يعلم أنهم غير مؤمنين ، لكنه إقامة حجة بقياس بيّن ، وقال قوم إِنْ هنا نافية بمنزلة « ما » كالتي تقدمت ، وقرأ الحسن ومسلم بن جندب : « يأمركم بهو إيمانكم » برفع الهاء . وقوله تعالى : قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ الآية أمر لمحمد صلى اللّه عليه وسلم أن يوبخهم ، والمعنى : إن كان لكم نعيمها وحظوتها وخيرها فذلك يقتضي حرصكم على الوصول إليها فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ * ، و الدَّارُ اسم كانَتْ ، و خالِصَةً خبرها ، ويجوز أن يكون نصب خالِصَةً على الحال ، و عِنْدَ اللَّهِ خبر كان ، و مِنْ دُونِ النَّاسِ : يحتمل أن يراد ب النَّاسِ محمد صلى اللّه عليه وسلم ومن تبعه ، ويحتمل أن يراد العموم التام وهو قول اليهود فيما حفظ عنهم ، وقرأ ابن أبي إسحاق بكسر الواو من « تمنوا » للالتقاء ، وحكى الأهوازي عن أبي عمرو أنه قرأ « تمنوا الموت » بفتح الواو ، وحكي عن غيره اختلاس الحركة في الرفع ، وقراءة الجماعة بضم الواو . وهذه آية بينة أعطاها اللّه رسوله محمدا صلى اللّه عليه وسلم لأن اليهود قالت : نحن أبناء اللّه وأحباؤه ، وشبه ذلك من القول ، فأمر اللّه نبيه أن يدعوهم إلى تمني الموت ، وأن يعلمهم أنه من تمناه منهم مات ، ففعل النبي صلى اللّه عليه وسلم ذلك ، فعلم اليهود صدقه ، فأحجموا عن تمنيه ، فرقا من اللّه لقبح أعمالهم ومعرفتهم بكذبهم في قولهم : نحن أبناء اللّه وأحباؤه ، وحرصا منهم على الحياة . وقيل إن اللّه تعالى منعهم من التمني وقصرهم على الإمساك عنه ، لتظهر الآية لنبيه صلى اللّه عليه وسلم . والمراد بقوله « تمنوا » أريدوه بقلوبكم واسألوه ، هذا قول جماعة من المفسرين ، وقال ابن عباس : المراد فيه السؤال فقط وإن لم يكن بالقلب ، وقال أيضا هو وغيره : إنما أمروا بالدعاء بالموت على أردأ الحزبين من المؤمنين أو منهم ، وذكر المهدوي وغيره أن هذه الآية كانت مدة حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم وارتفعت بموته . والصحيح أن هذه النازلة من موت من تمنى الموت إنما كانت أياما كثيرة عند نزول الآية ، وهي بمنزلة دعائه النصارى من أهل نجران إلى المباهلة ، وقالت فرقة : إن سبب هذا الدعاء إلى تمني الموت أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أراد به هلاك الفريق المكذب أو قطع حجتهم ، لا أن علته قولهم نحن أبناء اللّه . ثم أخبر تعالى عنهم بعجزهم وأنهم لا يتمنونه ، و أَبَداً ظرف زمان وإذا كانت « ما » بمعنى الذي فتحتاج إلى عائد تقديره قدمته ، وإذا كانت مع قدمت بمثابة المصدر غنيت عن الضمير ، هذا قول سيبويه ، والأخفش يرى الضمير في المصدرية ، وأضاف ذنوبهم واجترامهم إلى الأيدي وأسند تقديمها إليها إذ الأكثر من كسب العبد الخير والشر إنما هو بيديه ، فحمل جميع الأشياء على ذلك . وقوله تعالى : وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * ظاهرها الخبر ومضمنها الوعيد ، لأن اللّه عليم بالظالمين وغيرهم ، ففائدة تخصيصهم حصول الوعيد .